البيئة في الجزائر وتطبيق التشريعات



أصبحت البيئة مؤخرا موضوع إهتمام متزايد من قبل المجتمعات المتقدمة منها والمتخلفة على حد سواء، مع تباين درجة الاهتمام وفقا للخصوصية التاريخية والثقافية والاقتصادية لكل مجتمع.
 ففي المجتمعات الأكثر تصنيعا ظهر الاهتمام بقضايا البيئة نتيجة الأعراض الجانبية للتطور العلمي والتكنولوجي المستعمل في عمليات التنمية والاستخدام المفرط للعناصر الطبيعية والهادف إلى تحقيق أقصى معدل للنمو الاقتصادي العام والثراء الفردي الخاص، أما المجتمعات الأقل تصنيعا فهي تعاني من مشاكل بيئية مرتبطة أكثر بأوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتخلفة ... 1
وفي ظروف المجتمع الجزائري يتعرض الوسط البيئي لمخاطر وتحديات كبيرة ناتجة عن تراجع الأداء التنموي وتدهور الأوضاع  الاجتماعية المتخلفة، ولعل أبرز هذه المخاطر هدر  الأراضي الزراعية، حرائق الغابات، تلوث المياه، التلوث الصناعي، انتشار البرك ورمي القاذورات.
 وإذا كانت معظم الدول المتقدمة طورت ترسانة من القوانين والبنود لحماية البيئة والتي رافقتها حملات توعية إعلامية شاملة بدعم من جمعيات الأهلية والأحزاب السياسية البيئية فإن الجزائر ما زالت تعاني من تأخر واضح في هذه المجالاتوخاصة المتعلقة بتشجيع الاهتمام والوعي الجماهيري بمخاطر هذه الظاهرة (الخطيرة).
 فلم يحظى البعد البيئي بالإهتمام الكافي على صعيد التنمية الجزائرية، ما أسفر عن إفرازات خطيرة من شأنها تهديد توازن البيئة الطبيعية ونوعية الحياة البشرية والحيوانية، حيث تعرض المجال البيئي في الجزائر لمخاطر مختلفة كانت بمثابة عنصر هدم للخصائص  البيئية الطبيعية والذي أدى إلى مزيد من الضغط على الوسط الطبيعي، والإخلال بالتوازن الإيكولوجي، وهذا في غياب دور الدولة في المحافظة وحماية المجال الحيوي.
فما هي البيئة :
 على الرغم من التفاوت في استخدام مصطلح البيئة إلا أنه يتراوح أساسا بين التضييق والتوسيع، لأن كلمة بيئة في حد ذاتها لا تثير في الدهن العام سوى الوسط الذي يعيش فيه الإنسان  لكن محاولة تحديد عناصر هذا الوسط الذي يؤدي إلى الغموض نتيجة تعددها وتداخلها.
ولأن البيئة لها عناصر طبيعية خلقها الله وأتامها للإنسان "كالماء، الهواء، التراب، المعادن، النباتات، الحيوانات"، لها أيضا عناصر اجتماعية وثقافية وحضارية أي البيئة المشيدة بما تشتمل عليه من علاقات ومؤسسات ونظم وعادات وتقاليد وقيم.
 ونتيجة لكل هذه المعطيات فقد تبنى مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة التي عقد في مدينة استوكهولم عام 1972 المفهوم الموسع للبيئة بجانبيه الطبيعي من جهة، والاجتماعي والثقـافي من جهة ثانية، وذلك بعد ما تبين أن التخلف والفقر مثله مثل التقدم التقني يؤدي إلى تدهور البيئة، ومن تم فقد عرفت البيئة على أساس أنها "رصيد الموارد المادية والاجتماعية المتاحة في وقت ما وفي مكان ما لإشباع حاجات الإنسان وتطلعاته "...2.
 ومع ذلك فالشائع لدى عامة الناس المعنى الضيق للبيئة والتي تشمل كل ما يحيط بالإنسان من العناصر الطبيعية والحياتية التي توجد حول وعلى وداخل سطح الكرة الأرضية...3
    رغم ذلك لم يحظى البعد البيئي بإهتمام كافي في التنمية الجزائرية مما أسفر عن إفرازات خطيرة هددت توازن البيئة الطبيعية ونوعية الحياة البشرية والحيوانية حيث تعرض المجال الطبيعي الجزائري لتحديات مختلفة كانت بمثابة عنصر هدم وتخريب للخصائص البيئية في غياب أي إهتمام يذكر لدور الحماية والمحافظة.
 الشيء  الذي إلى المزيد من الضغوط على الوسط الطبيعي والإخلال بالتوازن والاستقرار الايكولوجي، ومسار الغلاف الحيوي، وقد اقتصرت حماية البيئة في  الجزائر على جملة محدودة من عمليات حماية الممتلكات  البيئية في منظور التنمية المستدامة للتقليل من  المخاطر المتصاعدة، ودون مواءمة المتطلبات الاقتصادية مع الاشتراطات البيئية لترشيد استغلال النظم البيئية والمحافظة عليها لضمان إستمراريتها لفائدة الأجيال القادمة.
 فتدهور البيئة خطر ليس فقط على مردود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولكنه مؤشر على استنزاف لا يمكن استدراكه للموارد الطبيعية، ولصحة السكان بفعل التلوث بأشكاله المختلفة كتلوث الهواء جراء عوادم السيارات وأدخنة المصانع، إضافة إلى تدنيس البيئة الطبيعية من خلال الاستعمال المتزايد للمدخلات الكيماوية لرفع المردود، كذلك تلوث المياه والمجاري المائية وما ينتج عنه من أمراض متنقلة، التعرية الغابية والتصحر، تحت ضغط التزايد السكاني، التلوث بفعل المواد الثقيلة المخلفات الصلبة، تدهور التنوع البيئي...كل هذه المظاهر لها تأثيرات  ضارة على البيئة الطبيعية والتي تنذر بعواقب وخيمة ما لم تحظى البيئة الطبيعية  بالحماية والتسيير العقلاني والترشيد.
- وقد ظهر الاهتمام بقضايا البيئة الطبيعية بشكل محتشم في الثمانينات وبصورة شبه رسمية مع صدور الإطار القانوني لحماية البيئة عام 1983م. لكن هذا ليس معناه أن السلطات العمومية أقصت تماما هذا البعد من اهتماماتها، حيث أنه قبل هذا التاريخ أرست الدولة دعائم عدة برامج منها ما يتعلق بتشجير مساحات واسعة في البلاد لتعويض تدهور الغطاء النباتي والغابي، خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي وبسبب الحرائق والرعي الجائر إضافة إلى برنامج مكافحة التصحر من خلال مشروع السد الأخضر لتشجير المناطق  السهبية وشبه صحراوية للحد من زحف الرمال، هذه البرامج وغيرها، تطلبت تعبئة موارد وإمكانات  هامة، لكنها لم تحقق الأهداف المخطط لها، حيث لوحظ تزايد تدهور البيئة في الجزائر جراء تضافر ثلاثة عوامل أساسية مرتبطة بعضها ببعض، وهي تصاعد النمو الديموغرافي، تسارع وتيرة التحضر وتطور التصنيع وهي العوامل التي كان لها تأثير سلبي تمثل في تزايد استهلاك الثروات الطبيعية والضغط  على الأنظمة البيئية الحساسة وكذا الإسراف في تلويث البيئة بالمخلفات  الناتجة عن المواقع الصناعية والتجمعات العمرانية.
- وهكذا فإن عوامل تدهور البيئة الطبيعية في الجزائر عديدة ومتنوعة وهي نتاج غياب كامل لإستراتيجية تنمية راشدة تندرج في اهتماماتها  الأبعاد البيئية المتعلقة بالمياه والغطاء النباتي والحيواني والوسط البحري والغلاف الجوي والتصحر والتربة وهو ما أدى إلى الحالة المزرية للبيئة في بلادنا.         
 بعض مظاهر التدهور البيئي
 تحتل الصناعة مركزا حيويا في اقتصاديات المجتمعات الحديثة وتعد محركا من محركات النمو، كما يعد القطاع الصناعي قطاعا ديناميكيا سريع التطور وهذا التطور ساهم بشكل مباشر في ازدياد كميات التلوث في العالم، إذ يساهم لوحده بـ:¾ من التلوث الإجمالي المتسبب في التدهور البيئي.
ونظرا لارتباط الصناعة بشكل مباشر بالاقتصاد فهذا يعني أن التدهور البيئي ما هو إلا مجردوجه سلبي للاقتصاد والثورة الصناعية والتكنولوجية وهذا التدهور ناجم عن تزايد المكتشفات التقنية دونما أي دراسة لآثارها على النظم البيئية وبالأحرى على الإنسان، وتعاني كثيرا من البلدان التي تتسم بتزايد سكاني كبير من مشكلات بيئية نتيجة سوء خطط التنمية الاقتصاديةوالاجتماعية وذلك لعدم مراعاة القضايا البيئية المتعلقة باستغلال المصادر الطبيعية.مما أدى غالبا إلى خلق مشكلات بيئية، كان بالإمكان تفاديها مسبقا وهذا يدل على تشعب المشكلة البيئية، وسبب هذا التشعب هو صعوبة وضع سياسات مسطرة حيز التنفيذوهذه الصعوبات إما أن تكون مالية أو تكنولوجية أو اقتصادية، أو أن تكون مجتمعة في نفس المكان والزمان... (4).
 ومهما كان الأمر فإن الخطر البيئي قد تجاوز مرحلة الوعي والتفكير ليصل إلى مرحلة العمل الميداني الذي من خلاله يتم السعي إلى تسطير  البرامج الرامية إلى حماية البيئة ووضعها حيز التنفيذ، هذه البرامج وإن كانت تحتاج إلى أموال وتكنولوجية عالية الدقة، فإنها في العديد من الأحيان الأخرى تمر عبر تنمية الوعي والتحسيس بأهمية وخطورة تدهور الأوضاع البيئية بالنسبة للمجموعات الوطنية ولدى المواطنين بصفة خاصة كذا المؤسسات والهيئات الوطنية صاحبة القرار وذلك عن طريق ترقية الحياة الجمعاوية ولأن التوازن البيئي يرتبط بشكل مباشر بمكونات البيئة فحدوث اختلال في إحدى مكونات البيئة في إطار توازنها المباشر بدورات طبيعية تضمن بقاءها يعد شكل خطير للقضاء على الكائنات الحية والتي تتدخل مجموعة من العوامل في التأثير عليها مثل الظروف الطبيعية، من أمثلة ذلك التصحر أو الجفاف الذي يؤدي إلى موت النباتات وهلاك الكثير من الحيوانات والكائنات الأخرى ويلاحظ في كثير من الأحيان أن هذه الظروف تكون نتيجة تدخل غير مباشر للإنسان في توازن البيئة ويعتبر هذا التدخل السبب المباشر في اختلال التوازن البيئي ذلك أن الإنسان يتصرف وكأنه يجهل حقائق التوازن الطبيعي بين مكونات البيئة ويعتقد أنه مهما كانت هناك مشكلات بيئية فإن ميكانيزماتها ستبقى تعمل وفق النظامومن أمثلة اعتداء الإنسان على الطبيعة:
§ استعماله للمبيدات الحشرية لمقاومة الآفات الزراعية التي وان حققت للإنسان هدفه والنتائج التي يرجوها فإنها أدت إلى ظهور آفات زراعية أخرى.
§ إلقاء الفضلات في البحار والأنهار والمجاري ما أدى إلى تسمم واسع قضى على العديد من الكائنات المائية التي كانت جزءا من الطبيعة والمنظومة البيئية.
§ الصيد الجائر للحيوانات والطيور النادرة وكذلك الاستهلاك المفرط للمنتجات الطبيعية وإزالة وحرق الغابات التي تخفض نسبة الرطوبة وتؤدي إلى زيادة التقاط الأرض للحرارة الشمسية.
§ الإسراف في استخدام الملوثات الصناعية كاستعمال البترول ومشتقاته والغاز والفحم التي تؤدي إلى اختلال في التوازن بين الأكسجين وثاني أوكسيد الكربون.
دور التهيئة الحضرية في حماية البيئة:
  أصبح الاهتمام بالأبعاد البيئية في التهيئة الحضرية يحتل صدارة الاهتمامات على الصعيد العالمي، كرد فعل على المطالب المتزايدة من الرأي العام وجمعيات حماية البيئة والأحزاب السياسية لإدماج قضايا البيئة  في التنمية الحضرية بعد أن تحولت إلى رهان سياسي واجتماعي مؤثر في صناعة القرار. عند رسم السياسات العمرانية على المدن والسكان، مما يهدد مفهوم التنمية المستدامة للمجتمع البشري.
 وهكذا أخضعت مخططات التهيئة والتعمير في معظم مدن العالم إلى احترام المقاييس البيئية في التنمية الحضرية، على اعتبار أن مستقبل الحياة في المدن واستمرارها مرتبط أساسا بتحقيق التوازن بين الطبيعة والنمو العمراني والاقتصادي.
 وتستهدف التنمية الحضرية تحقيق التوازن الضروري بين متطلبات النمو الحضري والاقتصادي ومقتضيات حماية البيئة والمحافظة على إطار معيشي مناسب للسكان حيث يوجد اقتناع راسخ  لدى المختصين في هذا المجال بأن البيئة الطبيعية تؤثر في السلوك الإنساني بالدرجة التي تؤثر في النظام الاجتماعي والثقافي للمجتمع.
 والواقع يثبت أن مشاركة سياسات التهيئة والتعمير الجزائرية في جهود حماية البيئة والارتقاء بإطار الحياة في المدن كان متواضعا ومحدود التأثير لأن تشريعات وأدوات التهيئة والتعمير في وضعها الحاليوأشكالها التنظيمية ومهامها لا يمكنها بأي حال من الأحوال مواجهة التحديات المطروحة.
1-        البيئة الحضرية في التشريعات المتعلقة بالبيئة:
  أهم التشريعات المتعلقة بالبيئة في الجزائر هي قانون رقم 83/08والمتعلق بحماية البيئة والقانون83/07المتعلق بالمياه والقانون رقم 24/12المتعلق بالغابات...5
  ما يميز هذه التشريعات أنه يغلب عليها الطابع العام وهي تركز عموما على عامل الحماية والوقاية للمحيط الجوي والمياه والغابات والصحة والنفايات والضجيج، ولا توجد فيها تفصيلات لقضايا تحسيس إطار المعيشة ونوعيتها، رغم أن المادة الأولى من القانون المتعلق بحماية البيئة يؤكد على هذا الموضوع، كما أنها تفتقر إلى  منظور معالجة خصوصيات قضايا البيئة في المدينة وبالتالي فإنها لا تتلاءم  مع المقياس الحضري.
2-        البيئة في تشريعات التهيئة والتعمير:
  يشكل القانون رقم90/29المتعلق بالتهيئة والتعمير والمرسوم التنفيذي رقم 91/175 المتعلق بالقواعد العامة للتهيئة والتعمير....6، المرجعية التشريعية الأساسية للتهيئة والتعمير في الجزائر في الجزائر. والملفت للنظر أن أشكال أن أشكال الاستجابة لقضايا البيئة في هذه التشريعات محدود جدا، والإشارة القليلة المخصصة لها تركز على مشاكل التلوث وحماية الأرض الزراعية، في حين غيبت تماما الأبعاد المرتبطة بنوعية الحياة، رغم وجود شعور عميق لدى السكان والمسؤولين بتدهور إطار الحياة وتدني مستوى رفاه المدن الجزائرية.
فالقانون رقم 90/29 يخصص ثلاث مواد فقط من بين 81 مادة يتضمنها إلى قضايا البيئة، حيث تحدد المادة الأولى منه أهداف التهيئة والتعمير في "وقاية المحيط والأوساط الطبيعية والمناظر والتراث الثقافي والتاريخي"كما تلزم المادة 11 من نفس القانون البلدية"بوقاية النشاطات الفلاحية وحماية المسافات الحساسة والمواقع والمناظر".
  أما المرسوم التنفيذي رقم 91/175 فهو يشير في ثلاث مواد فقط من جملة 49 مادة فيه إلى البيئة حيث تذكر المادة 05 منه "منح السلطات البلدية سلطة رفض رخصة البناء أو التجزئة، إذا كانت الأعمال المبرمجة لها عوائق ضارة بالبيئة، أو أن تمنحها شريط تطبيق التدابير الضرورية لحماية البيئة، طبقا لأحكام المرسوم90/178المتعلق بدراسة التأثير على البيئة".
 تنص المادة 18 منه على "وقف منح رخصة البناء للمؤسسات الصناعية وعلى قرض حتمية معالجة ملائمة لتصفية الملوث والمواد الضارة بالصحة العمومية والضجيج".
3-        البيئة في أدوات التهيئة والتعمير:
إن تحليل أدوات التهيئة والتعمير الجزائرية ممثلة في المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير PDAUومخطط شغل الأرض POS، يوضح ضعف الاهتمام بالبعد البيئي في دراسة ومنهجية إعدادها، وذلك لأن القضايا المرتبطة بمعالجة مشاكل الإسكان والمرافق، تؤثر في عملية اتخاذ القرارات وفي تحديد أولويات التهيئة والتعمير بالنسبة لصور استغلال الأرض واستعجالات تنفيذ البرامج.
4-        البيئة في صلاحيات الجماعات المحلية:
  يتضمن القانون رقم 90/08المتعلق  بالبلدية... 7بعض المواد ذات العلاقة بالبيئة والتي تندرج في صميم صلاحيات البلدية، حيث تنص المادة رقم 24 منه على "إمكانية تشكيل لجان دائمة أو مؤقتة للمجلس الشعبي البلدي، تهتم بالقضايا الحساسة للبلدية"وهو ما يوفر إمكانية إنشاء لجنة خاصة بالبيئة، إلا أن معظم المجالس البلدية الجزائرية لا توجد بها لجان خاصة بالبيئة كما أن المصالح الإدارية المكلف بها في الهيكل التنظيمي للبلديات تابعة لمديريات أخرى وليس لها هوية إدارية وهذا مؤشر صارخ لعدم إدراك الجماعات المحلية والقائمين على التهيئة والتعمير بضرورة إدراج وتنفيذ البرامج البيئية في عمليات التهيئة، مما يرفع من مستوى أدائها وكفاءاتها، كما المادة رقم 90 تضع ضمن صلاحيات البلدية الأساسية "حماية الطبيعة وعقلنة استغلال المجال"وفي المادة 93 تحمل البلديات "مسؤولية المحافظة على المواقع الطبيعة والآثار، وحماية الطابع الجمالي والمعماري كما أن المادة 107 تؤكد على تكفل البلدية "بمكافحة التلوث وحماية البيئة".
   لكن الواقع الميداني يوضح قلة اهتمام الجماعات المحلية بقضايا البيئة بالنظر لصعوبات التسيير والتهيئة والتكفل بأزمة المدينة وهذا يعكس عجزها في مواجهة مهامها المعقدة واخفاقها في بعث روح المواطنة الحضرية  التي تسمح بالارتقاء بذهنية المجتمع الحضري والاستجابة لمطالبته في حق  العيش في مدينة متوازنة.
التهيئة الحضرية والمساحات الخضراء:
   تمثل المساحات الخضراء رئة المدينة وهي بالنظر لحساسيتها ومولرفولوجيتها المكون الحضري الأكثر صعوبة في التسيير، لأنها أهم معيار يحدد مدى التوازن بين الإنسان والبيئة ومؤشر بالغ الدلالة على نوعية الحياة ودرجة الرفاه في المدن كما تعد أيضا من أكثر الأبعاد البيئية فعالية في التهيئة الحضرية والتعمير.
ويتضح تأثير المجالات الخضراء في انعكاساته الإيجابية على حياة الأفراد ونوعية الوسط بالنظر لوظائفها المتعددة التي تؤديها في خدمة السكان، ولمساهمتها في عدة فعاليات تعتبر من صميم أهداف المنفعة العامة فمن الناحية الاجتماعية والثقافية توفر المساحات الخضراء إطار يثمن ويشجع النشاطات الإجتماعية والترفيهية والثقافية ويحفز العلاقات الجوارية والحميمية بين السكان ويقوي من شعورهم بالانتماء والألفة لمناطق إقامتهم، زيادة على ترقية أذواقهم وحسهم المدني وثقافتهم البيئية.
 -من الناحية الجمالية ترتبط صورة المدينة عموما بهندسة مساحتها الخضراء وحدائقها لما تضيفه عليها من لمسات جمالية بنباتاتها المختلفة وأشكال تهيئتها وتجهيزاتها مما يخلق التوازن والانسجام بين مختلف صور استخدام الأرض، ويوفر إطار حياة وظيفي مريح، كما يمكن استخدامها في تغطية المناظر البيئية في المدينة.
    أما من الناحية البيئية، فهي تعمل على تلطيف الجو وتنقية الهواء وتوفير الظل والتخفيف من الضوضاء، إضافة إلى دورها في حماية المناطق الحساسة، كالأراضي المعرضة للانزلاق والتعرية والانجراف.
    لهذه الأسباب تعطي مخططات التهيئة والتعمير لمدن العالم اهتماما خاصا بالتخضير كمحاولة للتصالح مع الطبيعة في شكل حدائق ومنتزهات وحظائر تتناسب مع مواقع السكن والمنشآت العامة ومساحة المدن، كما تقوم الجماعات المحلية المشرفة على إدارة المدن بإعداد مخططات خاصة لتنمية الرقعة الخضراء تعرف باسم "المخطط الأخضر".
  لكننا في الجزائر بعيدون جدا عن المطابقة مع المقاييس العالمية التي تكرس مكانة المساحات الخضراء في المجال الحضري وتعتبرها من صميم عمليات التهيئة والتعمير وليس مجرد إجراءات ظرفية لتجميل المحيط.
أ‌) المساحات الخضراء في تشريعات وأدوات التهيئة والتعمير:إن قلة الاهتمام بالبيئة في التشريعات وأدوات التهيئة والتعمير الجزائرية، ينعكس على المساحات الخضراء التي هي الأقل عناية لغياب القوانين والنظم التي تضبطها وتحدد أنواعها ومعاييرها، فالقانون 90/29المتعلق بالتهيئة والتعمير في مادته الأولى، يحصر مبادرة إعداد أدوات التهيئة والتعمير في صلاحيات رئيس المجلس الشعبي البلدي وهذا يسمح له من الناحية النظرية إدراج مشاريع التخضير ضمنها كما أن المادة 31 من القانون تؤكد على أن مخطط شغل الأرضpos يحدد حقوق استخدام الأراضي والبناء ومن ضمنهاالمساحة العمومية والخضراء"كما أن المادة 20 من هذا القانون تضع تصنيفا واضحا للمساحات الخضراء يبرز الأنماط التالية "مساحات خضراء، حدائـق، وفسحات وغابات حضرية".
   أما المرسوم التنفيذي رقم 91/178 المتعلق بإجراءات إعداد مخطط شغل الأرض فيلزم في مادته 18  بوضع لائحة تنظيم تتضمن شروط شغل الأرض المرتبطة بالمساحات الفارغة والمغارس، كما ينص في المادة  30 على "منح البلدية سلطة رفض رخصة البناء في حالة التعدي على المساحات الخضراء، إذا كانت تمثل أهمية كبيرة، أو إذا كان إنجاز مشروع ينجر عنه، هدم عدد كبير من الأشجار، كما يمكن للبلدية منح رخصة البناء شريطة إنشاء وتهيئة مساحات خضراء متناسبة مع أهمية وطبيعة المشروع....8.
ب)المساحات الخضراء في صلاحيات البلدية:يضع القانون على عاتق المجلس الشعبي البلدي مهمة تأمين حاجيات السكان من المساحات الخضراء وتخصيص المواقع الملائمة لها، حيث يحصر إنشاءه في صلاحيات البلدية وحدها في حين أن القانون 90/30 المتضمن الأملاك الوطنية، يدرج في المادة 16 ضمن قائمة الأملاك الوطنية العمومية الاصطناعية، الواجب حمايتها من الجماعات المحلية "الحدائق المهيئة والبساتين العمومية".
أما بالنسبة للمكانة التي تحتلها المساحات الخضراء في الهيكل التنظيمي للبلديات فيلاحظ أنها تحتل أقساما فرعية، تتبع مصلحة البيئة البلدية، التي لا ترقى في معظم الحالات إلى رتبة مديرية مستقلة ضمن هيكل إدارة البلديات، وهي تعاني من عجز كبير في  الموارد المالية وفي نقص فادح في العمالة المؤهلة.
  ويمكن تشخيص هذا الوضع



هناك تعليق واحد:

  1. اسباب وطريقه علاج حبوب الوجه سريعا في يومين مع هذه النصائح السحريه

    https://www.miseve.com/2021/05/Facialpills%20.html

    ردحذف